الفيض الكاشاني

مقدمة 82

علم اليقين في أصول الدين

علم اليقين : سار علم الكلام سيرا طويلا وتحول في مسيره تحولات جذريّة في مقاطع مختلفة ، واحتوى بعد القرون الأولى على مباحث ومسائل عجيبة وتطويلات بلا طائل ، حتى وصل الدور إلى نصير الملة والدين الطوسي - قدّس سرّه - فألّف كتابه الموجز « تجريد الكلام » ، وعمد إلى بناء الكلام بتفكير عقليّ ونقّحه عن الخرافات والأقوال المهملة السابقة ، وصار كتابه هذا مدارا في الكلام اعتمد عليه علماء الفنّ وكتبوا عليه شروحا عديدة ، ودخل الكلام في مسير جديد أجدر به أن نسمّيه « الفلسفة الإسلامية » . وفي هذا الأوان وقبله بدأ البحث عن المعارف العميقة التوحيديّة في التوسّع ، بعد ما انتشر ذلك بصورة كلمات رمزية عن النبيّ الأكرم وأوصيائه المعصومين - صلوات اللّه عليهم - ثمّ تلامذتهم من العرفاء المحقّقين ؛ غير أن المنقولات الغير المستندة إلى المعصومين عليهم السّلام الحاكية عن الكشف الروحي لكاشفيها لا تكون حجة على غيرهم على الإطلاق ، ولا يمكن عرضها في المجتمع العلمي والاجتماعات البشرية ، ولمعالجة هذا المعضل عمد المفكّرون إلى الفحص عن مبان وبراهين عقلية يبرهن بها على هذه المعارف العالية ، حتى يمكن عرضها كمجموعة مدوّنة مبرهنة وسياق علمي في المجتمع . فنشأ علماء ذوي عبقريات سعوا في هذا الميدان وخطوا خطوات في هذا المجال ؛ وذلك مثل الفارابي وابن سينا والسيد حيدر الآملي وابن تركة والسيد الداماد والدواني وغيرهم ؛ ولكن لم يكن لهم حظّ كبير حتى وصل الدور إلى الحكيم الإلهي صدر الدين الشيرازي ، فوفّقه اللّه تعالى لإظهار أصول وبناء مبان صارت حجرا أساسيا للحكمة المتعالية وسببا لنيل مرحلة قصّر عنها السابقون في هذا المجال ؛ وقرّب ما كان من البون البعيد بين مسائل علم الكلام والفلسفة والعرفان وتداخلت هذه العلوم بصورة ملموسة في المجتمع الإسلامي . على أن هذا المسير الفكري والعملي كان غامضا لا يصل إليه أفكار